حيدر حب الله
419
الحديث الشريف (حدود المرجعية ودوائر الاحتجاج)
الانبعاث من العبد نحو ذلك ، لكنّ الانبعاث الناتج عن معرفته بكرم الله تعالى مفهومٌ مغاير لكون نفس هذه النصوص تريد هذا الانبعاث ، وأنّها بصدد الدعوة إليه ، فنحن هنا أمام أربعة مفاهيم : المفهوم الأوّل : إنّ الأخبار تقدّم وعداً إلهيّاً بالثواب على من عمل عملًا برجاء أنّه مطابق للواقع رغبةً في الثواب أو مطلقاً . المفهوم الثاني : إنّ العقل بعد أن يسمع بهذا الثواب الموعود ، ينبعث ويحثّ صاحبه نحو العمل بكلّ خبر جاءه برجاء المطلوبيّة ، آملًا أن يكون من نصيبه هذا الوعد الإلهي . المفهوم الثالث : إنّ الأخبار حاثّة على ما يحثّ عليه العقل هنا ، بعد معرفته بهذا الوعد ، وأنّها تدعو لهذه الأعمال ، سواء من باب استحبابها النفسي أم من باب إرشادها لحكم العقل . ولا علاقة بين المفهوم الثاني والثالث ، فدلالة أخبار من بلغ على الوعد الإلهي وانبعاث العقل ليدعو صاحبه للحصول على هذا الثواب الموعود ، لا يعني أنّ نفس أخبار الوعد الإلهي تريد أن تُرشد لحكم العقل هنا ، بل هي تريد أن تحقّق واقعاً صغرى هذا الحكم العقلي فقط ، فحيثيّة الإرشاد مفهومٌ إضافيّ . المفهوم الرابع : إنّنا نعلم من الخارج أنّ الشريعة تحثّ الإنسان على تحصيل الثواب والسبق للخيرات ، فإذا كانت أخبار من بلغ تبيّن هذا الوعد ويحكم العقل بالاندفاع لتحصيل هذا الثواب والحصول عليه ، فإنّ الشريعة بروحها تدعو لمثل ما يدعو إليه العقل ، ولو لم تكن هذه الدعوة من أخبار التسامح نفسها ، فكأنّ أخبار من بلغ تحقّق الصغرى ، فيما حكم العقل وسائر ما نعلمه من الشريعة يكوّنان الكبرى . وهذا المفهوم الرابع جيّد ، لكنّه لا يثبت أنّ في أخبار من بلغ شيئاً أزيد من الوعد والإخبار بالثواب ، بل هو لا يثبت الاحتمال الأوّل ولا الثاني أيضاً ، ويقرّ بأنّ أخبار من بلغ لا تحكي سوى عن أمر تكويني قانوني في الثواب والعقاب ، لا عن الأمور التشريعيّة ،